أهي طبيعة مجتمعنا الأحفيري؟ ما هي نوع العلاقة التي تربط أفراد المجتمع مع اختلافٍ في تواجهاتهم الفكرية. ما الذي يمكن ان يجمعهم؟ وما الذي يفرقهم؟ هل هذا الإختلاف على المستوى الفكري والسياسي يجعل منهم يتعايشون في حب ووئام واحترام متبادل؟ وللإدلاء بالرأي في هاته المسائل وهاته التساؤلات علينا أن نمعن النظر بشيء من التحليل والنقد لواقعنا المعاش أولا، وضرورة ان ننغرس في سياقات عائلية واجتماعية وتاريخية. لمكونات المجتمع.
إلا أن ما سنعرضه ليس دراسة إجتماعية ولا تحليلا بما تحمله الكلمة من معنى لمكونات المجتمع الأحفيري ومقوماته العلمية والنفسية، ولا تفكيكا لأحداثه التاريخية والراهنة. إنما هي نظرة خاطفة من طرف أحد أبناء هذه المدينة، قد تفتح مجالا للبعض أن يحفر في ذاكرته ويمدنا بما لم تأتنا به الأخبار بعد.
على مستوى العلاقات العائلية يمكننا أن نميز بين حالتين متناقضتين تماما: أولها هي حالة التنافس القبيح والتناحر بل والتقاتل أحيانا بين عائلتين أو أكثر، عائلات تجمع بينها الأخوة والنسب، فتتعادى لأسباب عديدة ومتفرقة؛ الأخ مع أخيه والإبن مع أبيه وأبناء الأخ مع عمهم وهلم جرا. أما الحالةالثانية وهي مناقضة للأولى، تتمثل في التظاهر بمساعدة ونصرة الأخ والعم والخال إذا ما وجد في حالة اختلاف على أرض أو عِرض أوغيرهما مع أخر بعيد عن العائلة، لا تجمعه بهم أواصر الدم أو القبيلة و الدشيرة. وكل ذلك ظالما كان أو مظلوما. ولسنا في حاجة للتذكير بأن لا علاقة لنصرتهم بالحديث الشريف للرسول عليه الصلاة والسلام (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما). وإنما الذي يطفو هو التعصب للعائلة والقرابة والقبيلة تحت قاعدة (أخوك يمضغك وميسرطكش). هكذا تصير الأخلاق هي الضحية الأولى وسط هذه النزعة التي تعبر عن الحالة النفسية للفرد، وترسم معالم التربية الكارثية التي تلقاها منذ الصغر، والتي هي محسوبة في الغالب على الدين بدعوى أن مجتمعنا متدين ومحافظ وما إلى ذلك من الأوصاف والأخلاق الحميدة والتي في معظمها نظرية. والذي يؤكد هذا هو واقعنا المعاش والموضوعي الذي يبرهن يوما بعد يوم عن رسوب التجربة تلو التجربة إما عن جهل وإما عن خلط بين قيم دينية، وأخرى جذورها مغروسة في أعماق العادات والتقاليد والتقليد أيضا (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون).
أما على المستوى الإجتماعي، فسنحاول في هذا المقام عرض فن الإكتراث ببعضنا البعض، وعن فن تعزيز العلاقات الإجتماعية والتعاون. فإن هذا التعاضد والاهتمام المشترك وتقديم الغالي والنفيس، والقيام بكل ما من شأنه أن يساعد الفقير والمعوز بالمجان، هو نظام من التصورات والقيم والأفكار نشأت عن ممارسة الإعتناء بالآخر من أجل هدف أسمى هو البحث عن الجنة و نعيمها والظفر بالفردوس الأعلى. وفي آخر المطاف، من منا لا يرجو الجنة؟ إلا أننا لا يمكننا أن نختزل البحث عن الجنة فقط في مشاريع دون أخرى وفي تفاعل مباشر في عملية التضامن والعون، حتى يخيل إلينا أحيانا أننا أخطأنا الطريق إليها أو على الأقل ظنَنَّا ان الطريق إليها واحد ووحيد. وهذا قد يولد لدينا نوعا من الإنغلاق على أنفسنا، قد يؤدي بنا إلى التوهم أننا نمتلك الحقيقة وأن مفاتيح الجنة في حوزتنا. هذا نوع من الأنانية لأننا في طيات ما نقوم به من أعمال الخير و التي نرجو من ورائها الحصول على الحياة الأبدية والخالدة، نكرس فيها فوارق طبقية في مجتمع من الضروري أن يكون أفراده متساوون ولهم مصالح متبادلة، مجتمع ينعم أفراده بكرامة أكثر. لأن الذي يقضي حياته كلها في انتظار ما يجود به عليه الآخرون سيقضيها مُهَانًا،لا رأي له، وإن كان له رأي فإنه غير مسموع وغير معمول به. فإذا قيل (إن اليد العليا خير من اليد السفلى) فقد قال الأحفيريون (آلي ما عندو فلوس كْلامو مَسُّوسْ) يفقد الإنسان ماء وجهه يفقد معه إنسانيته. فإذا كان الله قد كرم الإنسان فخلقه وأحسن خَلقه (ولقد كرمنا بني آدم) ، فإن أخاه الإنسان أهانه فمنعه من حقوقه التي يكتمل بها تكريم الله له في الدنيا، ومنعَ هو أيضا نفسه بعدم المطالبة بهذه الحقوق واختار الركون إلى (هذا ما كتبه الله لي) و(هذا قدري).
فما معنى العبارة المتداولة بيننا كلما إلتقينا بشخص ما من إخواننا خاصة الفقير والمحتاج منهم (طْهَلاّ في راسَكْ). فهل معناها إعتن بملبسك ومأكلك ومشربك. لا أظن ذلك لأنه قد لا يتوفر أصلا عمّا يظهر به في ثياب أنيقة أو أن يُلوّن مائدته بما حل وطاب من الوجبات الدسمة واللذيذة. نقولها بشكل روتيني وكأننا نقول له على حد سواء :إلى اللقاء. وإنما المعنى أعمق من هذا بكثير. اعتن بنفسك حتى تحصل على إنسانيتك كاملة غير منقوصة تحقق بها عبوديتك وعبادتك لله وحده. كن حُرّا بدل أن تكون أسيرا لشخص جَادَ عليك بدراهم معدودة، قد يضع هو نفسه في موقع السيد وعلاقته بعبده أو في موضع من أحبه الله فرزقه دون غيره وتكون أنت في “سخط الله وغضبه” لا قدّر الله.
يجب علينا تقييم الأهمية الأخلاقية للعلاقات التي تجمع بين عائلاتنا وبين مختلف أفراد مجتمعنا، وأن نأخذ شيئا من الحيادية وأن لا نركز فقط على فضائل الأفراد. جميل جدّا أن نشيد بمن دفع إثنا عشر مليونا من أجل بناء المسجد، وأن نقوم في الخطب الجمعية وغيرها من أجل تشجيع الناس على المساهمة في بنائها والقيام بهدم مسجدين كانا آئلين للسقوط حسب وزارة الأوقاف، ولو أنني أظن أن المسجد الأعظم محتاج لترميم لا أكثر يجنب الأمة صرف أموال طائلة هي محتاجة إليها في مشاريع أخرى، وأيضا من أجل الحفاظ على تراثٍ ومسجدٍ عتيق يعد من أهم آثار المدينة.
لنعد إلى هذا التضامن الذي قد لا نجد فيه إختلافا بين فردين في بناء المساجد، فيجود الغني بماله وتجود المرأة بصيغتها الذهبية، وحتى الطفل بالدرهم الذي مُنحه لشراء الحَلْويات يضعه في صندوق بناء المسجد. والسؤال المطروح: كيف سيكون تصرف الأحفريين لو أن هذه الدعوة إلى التضامن كانت من أجل بناء مكتبة تليق بأمة إقرأ، وهل كان الأئمة سيتأهبون من أجل تخصيص دروسهم الوعضية وخطبهم الجمعية لهذا المشروع العظيم. وحتى إذا أخذنا المسألة من الجانب الفقهي وطبقنا فقه الأولويات، فالحال يقول أننا في أشد الحاجة إلى مكتبة أكثر منها إلى مسجد لأننا وبكل بساطة أمة تصلي ولا تقرأ. فلكي تكون لصلاتنا معنى، فعلينا بالقراءة، تلك القراءة التنويرية والتحاورية التي يتولد عنها التساؤل الدائم والإستفسار والإندهاش، بدل الإنصات المتواصل إلى مواعظ تلقينية ومتكررة بشكل غير عادي . إدمان على التذكير بفضائل وقيم فقدت قيمتها لكثرة تناولها بشكل روتيني ومن زاوية واحدة. وهذا ناتج عن صعوبة الإتيان بالجديد لقلة البحث والإطلاع. ولا أخفيكم أن الصدر يضيق عند سماع بعض وعاظ السلاطين وهم يتناولون هذه المواضيع القيمية، فما يكادوا يفرغوا من حديثهم حتى يفرغوها من محتواها كاملة.
فالقراءة هي الطريق المعبدة والمؤدية إلى العلم والمعرفة، التي تؤدي بدورها إلى التحرر، والمسيح عليه السلام يقول : تعرفون الحق والحق يحرركم. أما عدم فتح المجال لنشر المعرفة فإنها جريمة لا تغتفر لأنها هي من تُعرفنا بالله عز وجل. إن علاقاتنا الإجتماعية بقدر ما تبدوا بسيطة فهي في غاية التعقيد ويشوبها النفاق وعدم التلقائية. لأن التلقائية نقيض للمناورة والمناوشة وهي الدار التي تقطنها الحرية التي تجعل كل واحد منا نسخة فريدة. نسخة معرفية وإيمانية، لا نسخة البخاري ولا إبن تيمية ولا إمام الحي، تجربة لن تكون أعمق من تجربتهم بالضرورة وإنما هي شخصية ومختلفة. وهذا ما يريده سبحانه وتعالى من كل واحد مِنّا. فإن لله طرائق بعدد الخلائق كما يُقال. ولكن واقع الحال يقول أن معظم الأحفيريين متشابهون، ونلحظ هذا جلِيّا عبر هذا الموقع، في صعوبة إيجاد جو لطرح أفكارهم ومناقشتها. يغلب الإنتماء الحزبي والحَركِي على عرض الأفكار، ويطغى النبْز والسب أحيانا على المحاججة وعرض قوة البيِّنة والفكرة بدل فكرة القوة و”السّبّانْ”.
أما علاقتنا بتاريخنا الأحفيري ، أظن أنها مثل علاقتنا بتاريخنا الإسلامي. ينعدم فيها الحس المرهف بالتاريخ ، نتعامل معه بصفة التقديس، كل أحداثه عبارة عن روايات و كل ما يذكرنا بحنين الماضي فهو جميل ومستحسن لدرجة غيّبت لدينا رؤية لا يشوبها ضباب تستطيع أن تضع الأمور في نصابها الحقيقي والإنساني والصحيح. نذكر تاريخنا كما نذكر أمواتنا، نترحم عليه كما نترحم عليهم وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم.
جميل جِدّا أن نقرأ في ذاكرة أحفير وأن نعمل على تدوين تاريخه من أجل عرضه للجيل الحاضر والأجيال المستقبلية. ولكن عندما تتحول إلى ذكريات لا يشوبها خدش ولا قبح، وتغلب عليها أجواء الحسرة على ما فات، تنقلب العملية إلى بتر للتايخ وتزييفٍ له. دورنا هو مزج الماضي بالحاضر من أجل بناء المستقبل. ماذا إستفدنا من الماضي حتى نتفادى إعادة أخطائه في الحاضر من أجل رسم معالم المستقبل يتوافق وروح العصر. فمن واجبنا أن ننتقد وأن لا نلوم أجدادنا وإخواننا القدامى على أسلوبهم الخاص بالحياة، وإنما اللوم يقع على عاتق الذين استيسروا التقليد الأعمى، ولم يعملوا على تصفية الدم التراثي الفاسد الذي ما زال يَسري في شرايين المعاصرين مِنا.
وفي الختام، فإن الذي دفعني لكتابة هذه المقالة ونحن في خضم الثورات العربية، نتابع عن كثب ما تصبو إليه شعوبها من حرية وكرامة وعيش كريم، هو إيماني العميق بأن الثورة الحقيقية التي تقودنا إلى تحقيق إنسانيتنا هي الثورة الثقافية. ثورة تغذي الوعي بحالتنا المتردية وتمكننا من رؤية جمال الشمس وأن نُحدق فيها وإن آلمت. وبما أن ثقافتنا دينية بامتياز، يجب عليها أن تتحلى بالشجاعة وأن نكون في يقضة دائمة ومستمرة. فالدين بريء من كثير من “رجالاته” الذين يقدمون لنا التراث الديني خارج سياقه التاريخي بحيث يصير فعلا الدين ستارا للسياسة. وهذا ما أعتبره مع الأسف بمثابة الثورة المضادة في أوطاننا العربية والإسلامية، لا تعبأ من أجل اعتبارات آنية، تخاطر بمصير أمة كاملة.
إن الدور الملقى على عاتقنا جميعا، والذي يكمن في العلاقة بين التراث والعصر والواقع يتعدى تجاوز مشكلات إجتماعية واقتصادية إلى ما هو أشمل وأعم، ألا وهو دورنا ومساهمتنا في إنقاذ حضارة من الإندثار والفناء.
محمد حراك
باريس 05 مارس 2012
