هل سبق أن لاحظتم ذلك القلق المستمر، وذلك الحذر المفرط، أو حتى الخوف غير المبرر أحياناً لدى العديد من سكان مدينة أحفير؟ لماذا يبدو أن كثيراً من أبناء أحفير يخافون من كل شيء ومن لا شيء؟
لفهم سلوكيات اليوم، علينا أن نغوص في الذاكرة الجماعية وأن نتأمل في المناخ الذي نشأت فيه أجيال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.
علم نفس الصدمة: عندما يشكل الماضي الحاضر
لقد أثبت علم النفس الحديث أن تجارب الطفولة تشكل الأساس الذي تُبنى عليه الصحة النفسية للإنسان في مرحلة البلوغ. فالصدمات التي يعيشها الطفل خلال سنواته الأولى لا تختفي مع مرور الزمن، بل غالباً ما تنعكس على شخصيته وعلاقاته بالآخرين.
العنف الجسدي أو النفسي يدمر الثقة بالنفس ويولد قلقاً مزمناً.
غياب الأمان العاطفي يخلق خوفاً دائماً من الهجر وصعوبة في الثقة بالآخرين.
النمو في بيئة غير مستقرة يدفع العقل إلى البقاء في حالة يقظة مفرطة، فيستجيب بقوة لأبسط مصادر التوتر.
في أحفير، وخلال عدة عقود، كان ما نعتبره اليوم سلوكاً صادماً أمراً عادياً ويدخل ضمن ما كان يُنظر إليه على أنه “الوضع الطبيعي”.
طفولة في ظل الخوف: المدرسة والشارع والسلطة
لا يزال الذين نشأوا في أحفير بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي يتذكرون حياة يومية اتسمت بصرامة شديدة، بل وأحياناً بالقسوة.
– المدرسة: من طلب العلم إلى العقاب
في تلك الفترة، لم يكن عدم حفظ الدرس يعني فقط الحصول على نقطة سيئة. ففي بعض الأحيان، كان يكفي أن يكون الأستاذ لا يحبك، أو أن تكون عائلتك متواضعة الحال أو غير مقربة منه. وبما أن الجميع كان يعرف الجميع في مدينة أحفير الصغيرة، كان بعض التلاميذ يبدأون مسارهم الدراسي وهم يحملون نوعاً من “الإعاقة الاجتماعية” منذ البداية.
وكان العقاب الجسدي أمراً شائعاً: صفعات، إهانات، ضرب بالعصا على راحة اليد أو أسفل القدمين (الفَلَقَة)، وأحياناً جلد بأغصان الزيتون. طريقة مبتكرة للتعرف على النباتات المحلية، ولكن بطريقة لا يتمناها أحد!
أما الأسوأ فكان الإهانات النفسية. فقد كان بعض الأطفال في السادسة أو السابعة من العمر يُجبرون أمام زملائهم على ابتلاع صفحات من دفاترهم أو حمل لافتات كُتب عليها: “أنا حمار”، “أنا سارق”، أو “أنا كذاب”. أساليب تربوية لم تُذكر لحسن الحظ في أي دليل رسمي للتعليم.
وهكذا تحولت المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً للتعلم والنمو، إلى ما يشبه ساحة معركة أو مساراً مليئاً بالعقبات.
وكأن ذلك لم يكن كافياً، كان بعض الآباء، بحكم ثقافة تلك المرحلة أو اقتناعهم بأن المعلم دائماً على حق، يضيفون عقوبة ثانية عند عودة الطفل إلى المنزل. والنتيجة أن التلميذ، بعد أن يتلقى العقاب في المدرسة، كان يفضل الصمت على الاستفادة من عرض خاص: عقوبتان بسعر واحدة!
وفي النهاية، كان الوصول إلى البيت دون ألم جسدي أو إهانة أو عقوبة إضافية يعتبر إنجازاً يستحق ميدالية ذهبية.
– الخوف من أصحاب السلطة
كان مجرد مرور شرطي في الشارع كفيلاً بفرض الصمت والسكون. كما أن دخول إدارة عمومية أو زيارة الطبيب كان يمثل تحدياً حقيقياً. فمن دون وسيط أو شخص نافذ يحميك، كانت السخرية والترهيب والاحتقار أموراً مألوفة.
– قانون الحي
في الشارع، كانت سلامة الطفل تعتمد غالباً على حماية أسرته أو أحد أفرادها الأقوياء. أما من لم يكن له سند أو حماية، فكان يجد نفسه تحت رحمة الأكبر سناً، فيتعلم منذ الصغر كيف يصبح غير مرئي تقريباً لتجنب المشاكل.
إرث جيل كامل: لماذا يستمر هذا الخوف؟
عندما يكبر الإنسان وهو مقتنع بأن العالم الخارجي مكان عدائي، وأن السلطة تعاقب دائماً، وأن إظهار الضعف يؤدي إلى التعرض للأذى، فإن ذلك يترك آثاراً عميقة ودائمة.
لقد طور العديد من أبناء أحفير ما يمكن اعتباره آليات دفاع نفسية: حذراً مفرطاً، وتردداً في اتخاذ المبادرات، وخوفاً من نظرة الآخرين، أو قلقاً دائماً من المؤسسات والإدارات.
وما يسميه البعض “عُقداً نفسية” ليس في الحقيقة سوى ندوب خلفتها مرحلة كان فيها الإنسان مضطراً لحماية نفسه نفسياً من أجل البقاء.
نحو وعي جماعي وشفاء مشترك
إن الاعتراف بهذا الماضي لا يعني إلقاء اللوم على الآباء أو المعلمين الذين كانوا في الغالب أبناءً لزمانهم وثقافته.
لكن تشخيص هذه التجارب وفهم آثارها يبقى أمراً أساسياً.
إن إدراك أن هذا “الخوف من كل شيء” هو نتيجة لتكييف نفسي واجتماعي تراكم عبر السنين يمثل الخطوة الأولى نحو التحرر منه.
ومن خلال منح أطفالنا اليوم بيئة تقوم على الاستماع والاحترام والأمان العاطفي، يمكننا كسر سلسلة الصدمات وبناء مجتمع أحفيري أكثر ثقة بنفسه، وأكثر توازناً وطمأنينة.
