لا شـك في أن المغـرب الشـرقي، بصفـة عـامة، يتميـز بلهجـة خـاصة تختلـف في كثيـر من مكوناتهـا وتعابيرهـا وطريقـة النطـق بهـا عن غيرهـا من اللهجـات.
ووسـط هـذه المجموعـة، هنـاك بعـض الاختلافـات بين المناطـق المكونـة لهـا. ولعـل محيـط أحفيـر لـه خاصيـات في هـذا الشـأن قـد تكـون وليـدة إرث مركـب تتراكـم فيـه ترسبـات من مـاضيـه البربـري وجـواره ومعايشتـه للإخـوة الجزائرييـن، وكـذا مخلفـات وتأثيـرات اللغتيـن الفرنسيـة والإسبانيـة. هـذا طبعـا دون أن نغفـل الجـانب الأسـاسي الأصـلي ألا وهـو دور اللغـة العربيـة الفصـحى التي ينهـل منهـا الجميـع. وقـد يكـون من الصائـب إضـافة عنصـر البـداوة التي طغـت على المدينـة مـدة من الزمـن.
ودون الخـوض في تفـاصيل وجزئيـات اللهجـة الأحفيريـة، فلا بـد من التـأكيد على الإيقـاع والنهـج والنغمـة الذيـن يميزونهـا عن غيرهـا. ونـاس أحفيـر معروفـون بطريقـة كلامهـم أينمـا حـلوا وارتحلـوا، وليس باليسيـر على غيرهـم تقليدهـم أو محاكاتهـم. وكلمـة مثـل “باحفيـر” قد جـابت عـدة أنحـاء من البـلاد، فصـار أهلنـا مشهـورين بهـا، رغـم بساطتهـا أو لربمـا نظـرا لذلـك.
ولعـل العفويـة والتلقائيـة التي يتحـدث بهـا النـاس عندنـا تتـأتى من نفسيتهـم وتربيتهـم وبيئتهـم ومختلـف عناصـر شخصيتهـم التي تشكلـت وانصهـرت على مـر السنيـن، ولـم تمازجهـا أو تشبهـا إلا عوامـل خارجيـة ضئيلـة، قـد تعـود بالأسـاس إلى موقعهـا الجغـرافي المنعـزل والنـائي بالنسبـة لباقي المـدن.
وهكـذا، فقد حافـظ النـاس على صفـاء لهجتهـم وأسلوبهـم في التخـاطب والتواصـل، ولـم تتـأثر هـذه اللهجـة إلا قليـلا بمـا قـد طـرأ من تطـورات على صعيـد العقليـات والحيـاة الاجتماعيـة والثقافيـة، وكـذا التغيـرات الناتجـة عن الاحتـكاك بالغيـر والهجـرتين الداخليـة والخارجيـة.
وإنني لأشعـر ، كلمـا زرت أهـلي بأحفيـر، بحـدة وقـوة بهـذا الواقـع. ذلك بـأن الإنسـان حين يقيـض لـه أن يتعايـش مع نـاس من مـدن مغربيـة أخـرى لا شـك أنـه يتأثـر بلهجاتهـم ويضطـر، مع مـرور الوقـت، إلى تقليدهـم ولو جزئيـا في طريقـة حديثهـم واستعمـال بعـض المفـردات والتعابيـر المعتـادة في ذلك الوسـط، بل إنـه قد يصـل بـه الأمـر إلى أن يحـذو حذوهـم حتى في منهجهـم في التعامـل والتفكيـر. فـإذا مـا رجـع، بعـد فتـرة من الزمـن، إلى مسقـط رأسـه بأحفيـر، فـإنه يحـس، للوهلـة الأولى، بنـوع من الفـرق في الكـلام والتعبيـر والتواصـل مع مـا يكـون قد ألفـه ودأب عليـه.
وإني لأجـد شخصيـا في ذلـك ضربـا من الثـراء والتنـوع والتفتـح من شـأنه أن يغـني رصيـد صاحبـه ويدعـم بعـض المنـاحي في بنائـه المعنـوي والمعـرفي.
ولقـد دفعـني إلى الحديـث في هـذه الإشكاليـة تدخـل السيـد “أبوهدايـة” في منتـدى “قامـوس اللهجـة الأحفيريـة” الذي بـادر بإنشائـه السيد “المختـار” بتاريـخ 08/03/2010. وممـا جـاء في تدخـل الأخ “أبو هدايـة” :
“إن المصطلحـات المتداولـة عندنـا هي حقـا ثـروة ثمينـة تغـني ذاكـرة أحفيـر الجماعيـة، وكم كنـت أتمـنى أثنـاء تجميـع هـذه المصطلحـات أن يتدخـل المختصـون لتحديـد أصـول هـذه الكلمـات، كمـا أطلـب من المشرفيـن العمـل على إنشـاء قـاموس إلكتـروني يجمـع هـذا التـراث اللغـوي” انتـهى كـلام السي “أبو هدايـة\\” في تدخلـه رقـم R429 في 12/06/2010.
وإنهـا لعمـري فكـرة حسنـة أحبذهـا وأساندهـا وأدعـو إلى العمـل على إخراجهـا إلى حيـز الوجـود وتفعيلهـا من طـرف كل من لـه اهتمـام بهـذا المجـال. وسنكـون بذلـك لا محالـة قـد نهضنـا جماعيـا بمهمـة تدوينيـة وتوثيقيـة لتـراث محـلي يخـشى عليـه من الاندثـار والتـلاشي مع زحـف عجلـة التطـور وتـوالي الأيـام.
عمـرو بالحسـن (30/06/2010)
