You are currently viewing لحظـات لا تنـسى الحلقة الأولى

لحظـات لا تنـسى الحلقة الأولى

أضـت عـدة أشهـر دون أن أحـل بمسقـط رأسي، ومنـاط أحـلام صبـاي. وقـد كنـت كثيـرا مـا أتعـلل، فيمـا مـضى، بظـروف الشغـل، وضغـوط الحيـاة اليوميـة التي لا ترحـم، وكـذا بوعثـاء السفـر وطـول الطريـق.

 

والآن، بعـد أن أحلـت على التقـاعد، وتـم إنشـاء الطريـق السيـار الرابـط بين وجـدة وفـاس، انتفـت فعـلا أكثـر الأسبـاب التي تصـرف المـرء عن التنقـل. ومع ذلـك، فقـد هيمنـت “فتنـة الأولاد” وحـلت محـل الموانـع الأخـرى، فصـرت أِجـل فرصـة السفـر من أسبـوع إلى أسبـوع، ثـم من شهـر إلى آخـر، إلى أن أتـت فاجعـة وفـاة أخي الأصغـر، مصطـفى، فاضطـرتني إلى المـجيء على جنـاح السرعـة، عازفـا كـل شيء، وصادفـا عن كـل مـا يشـدني شـدا إلى المكـوث بالقنيطـرة، محـل إقـامتي.

 

وقـد تمكنـت من الوصـول إلى أحفيـر من قبـل أن يـأزف أوان الظهـر، فحضـرت بذلـك وقـت الصـلاة وشاركـت في الموكـب الجنـائزي وعمليـة مواراة جثمـان أخي الثـرى.

 

ومنـذ لحظـة توصـلي بنـعي أخي حـوالي الساعـة الثالثـة من يـوم الأحـد، وطيلـة الطريـق من القنيطـرة إلى أحفيـر، استطعـت بجهـد جهيـد أن أكـره نفـسي على التـزام الصبـر والجلـد، وذلـك على الرغـم من عمـق الصدمـة القويـة التي غمـرتني، والتي هـزت كـل جوانـحي، وزلزلـت كيـاني.

 

إلا أنـه لمـا وصلـت أمـام منـزل المرحـوم، ألفيـت أخي الأكبـر، الحـاج محمـد، منزويـا في ركـن من زنقـة “محمـد مسكيـن” بحي الزيتـون، فعانقتـه عناقـا لـم يجـد معـه سبيـلا إلى الفكـاك منـه، فأجهشـت بالبكـاء وانطلقـت في الشهيـق والنحيـب، في نوبـة هستيريـة، حتى أوشكـت أثناءهـا أن أخنـق أنفـاس أخي من حيـث لا أدري. ولعـل ذلـك الانفجـار العـاطفي قـد أسهـم إلى حـد كبيـر في تخفيـف الضغـط الـذي كنـت أنـوء بـه منـذ عـدة ساعـات، حيـث كنـت أبـذل جهـدا ضخمـا كي أداري وأصـارع الحـزن العميـق والأسى الممـض الـذي كـان قـد جـرى مني مجـرى الـدم في العـروق.

 

وأثنـاء عمليـة الدفـن، لـم نستطـع أن نبلـغ مكـان القبـر لكثـرة الزحـام ووفـرة الإخـوة الكـرام الذيـن كـانوا يحفـون بنـا من كـل جانـب، معبريـن أبلـغ تعبيـر وأصدقـه عن مواساتهـم ومشاركتهـم لنـا هـذا المصـاب الأليـم. (يتبـع)

 

القنيطـرة، في 13/01/2012

أضف تعليقاً