عندما يواسي الأستاذ محمد امباركي كل مغترب يواسيه بطريقته الخاصة , وقد أرسل لي قصة قصيرة عبارة عن عزاء لكل مغترب , فشكر الله سعيكم أستاذي المحترم وأجرنا واجركم واحد في فقدان الوطن , واتعجب كبف يعزي مغترب الداخل مغترب الخارج فالمصاب واحد ومشترك , فلا أحزنكم الله بعد هذا سيدي محمد
ذ. محمد مباركي/وجدة/المغرب
كنت أسعد خلق الله بتلك الزيارة الأولى التي قمت بها ذلك الصيف، حققتها بعد انخراطي سنة كاملة في تقشف كبير وصل إلى درجة التقتير.. بخلت على نفسي بكل جديد . في الملبس قنعت بالأرشيف. حرصت على كيّ ملابسي في المصبنة بعد غسلها في الدار بيدي، ويوميا ألمع حذائي الوحيد. وأسقطت الكثير من المصاريف الزائدة، لكنني خِفت ُ في قرارة نفسي أن أتحول إلى أحد بخلاء الجاحظ .. و بالكاد، بعد هذا الضّنْك، تمكنت من جمع بعض المال للسفر إلى ما وراء البحر ..
لمّا جلست إلى طاولة في ساحة مقهى قرب نهر “السين” في باريس ، تنسمت عبيرا خارجا من أعماق النهر ، تمازج فيه تاريخ فرنسا بقصائد الشعراء ونثر الأدباء الذين قرأت لهم .. تنسمتُ الحرية مع رذاذات المياه المندفعة في النهر الصامت .. وقفتُ، وتحفزتُ، واندفعتُ مخطوفا اتجاه النهر. ظن رواد المقهى أني سأرمي بنفسي في الماء.. سأنتحر .. تحفز بعضهم لإنقاذي .. صرخوا فيّ أن أقف مكاني.. وقفت .. التفتتُ إليهم .. قلت ضاحكا:
– ما بكم !؟ .
قال أحدهم وكان عجوزا :
– ظنناك ستنتحر…
قلت :
– لا .. لن انتحر .. خوفي هو الذي سينتحر .. خوفي خوف الجنوب المثقل .. ستنتحر الأسئلة المحبوكة في قواميس ردهات مفوضات الشرطة في وطني .. أسئلة دقيقة صنعت فيّ رقيبا داخليا يمنعني من تجاوز تلك الخطوط القانية وإبداء رأيي.. أسئلة شارك في صياغتها علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء الحيض والنفاس وماسحو الأحذية والبغايا .. ستنتحر الأجوبة الملفوفة بخوف الدولة القــُطْرية المبرقشة بصور وتماثيل الزعيم الذي قال يوما:
“أنا ظل الله في الأرض. أنتم مواليّ، أقتل منكم الربع أو النصف أو ثلاثة أرباع حتى يعيش الربع الآخر في سعادة”.
قلنا “أهلا .. أهلا ..” .
لما كان جواز السفر حلما، والموظف الذي يمنحك إياه سلطانا يمشي في الشوارع كالطاووس، يتزلف إليه الكبير والصغير والنساء والرجال، كنت موظفا صغيرا مدفونا تحت الأرض، في قبو أرشيف شركة عمومية، لا شأن لي بالسياسة والسياسيين . في ظاهري كنت. في المكتب أسمع ولا أرد . وباطني كالمرجل يغلي فوق نار هادئة هدوء مدير الشركة والآمر بالصرف. رأيناه يتلاعب بالأرقام في معادلات حسابية وهمية يخرج منها رابحا و يخسر الوطن مع الصمت والتواطؤ .
حصلت على جواز سفر أخضر خُضْرة الفطر .. خرجت من مصلحة الجوازات و أنا أدندن بلازمة
“أرفدت الباصبور لخضر /// و قلت أنا ذي خيار الحياة”. وضحكت ملأ شدقي وتجشأت كحيوان بري من شبع وهمي.
لمّا رأوني أحزم حقيبتي الصغيرة استعدادا للسفر إلى ما وراء البحر ، قالوا:
– لماذا تسافر إلى ما وراء البحر؟ هذا وطنك طويل وعريض ، سافر في أرجائه كيف تشاء ! وتمتع بخيراته و بناته فهن مثل ريش النعام . قلت :
– تركت لكم الوطن بطوله وعرضه .. تركته للّذي يأتي ولا يأتي.
في تلك المدينة الحمراء، استوقفت سيارة أجرة ، قلل صاحبها من السرعة حتى ظننته سيقف عندي سيحملني، لكن الكلب تجاوزني إلى سائحين مثليين وحملهما متعانقين أكملا عشقهما داخل سيارته . بصقت عليه، وأسرعت إلى شرطي المرور لأشكو له صاحب السيارة .. نهرني وولى وجهه شطر سائحة حسناء تموء كقطة وقت التزاوج .. ركبت \” كـُتشِيا \” . هدهدني ، فاستطيبت ركوبه ونسيت الحدث.
ها أنا في باريس سعيد بزيارتي لها .. فتحتْ ذراعيها وضمتني كطفل .. فما أروعها “مدينة الجن
والملائكة !!” .. الجن تهاب الملائكة النازلة من الأعالي .. نورانية .. أشاعت بأنوارها المدينة فحولتها إلى جنة أرضية.
” باريس الآن .. باريس غدا .. باريس دوما وأبدا”.
مع “ليلي بونيش” رددت أغنية: Paris ..Paris
تحولت فكرة الزيارة إلى فكرة أخرى .
– متى سترجع إلى وطنك ؟
– من قال أني سأرجع ؟
– هل تنوي …؟
– نعم أنوي البقاء .
– ووظيفتك ؟
– تركتها مع الوطن و بَعْر أحصنة الكوتشيات ، وريع الأرض ، ومنظر غروب الشمس في أرفود، ورمال الشواطئ و الصحراء ، وضيعات سهول الترس ، وعيون المياه المعدنية ، ووحيش غابات الأرزوالعرعر، والعيطة و القفطان و”دمليج زهور” وسهرات يوم السبت، ومهرجان موازين، والملاعب المعشوشبة ومسالك الغولف ، ودار السلام ، وأحياء الصفيح ، ومسابقات العدو الريفي اتجاه نهب المال العام.
عبد الواحد مزويرح
