You are currently viewing لحظـات لا تنـسى (2)

لحظـات لا تنـسى (2)

وسـط ذلـك الخضـم من النـاس، رأيـت أصنافـا من الإخـوة والأصدقـاء القـدامى لـم أكـن قـد شاهدتهـم منـذ بضـعة عقـود. ولا سبيـل إلى تذكـر أو ذكـر أكثرهـم في هـذا الحيـز المتواضـع. فمنهـم من قـد غـابت عـني أسماؤهـم ولكـن وجوههـم ليسـت عـني بغريبـة. على أن أسمـاء بعضهـم طفـت على سطـح الذاكـرة، أمثـال الإخـوة عـدي وجغنيـن والشـيحي وامحمـدي وبنعبيـد وغيرهـم كثيـر.

 

وإن أنـس لا أنـس أن أشيـر في هـذا السيـاق إلى أخ فقـدت كـل صـلة بـه منـذ مـا ينيـف عن الثلاثيـن سنـة خلـت، وهـو السي الميلـود بـوعزة. ورغـم أن مـلامح منـه قـد تغيـرت، وصـارت لـه لحيـة كثـة بيضـاء تسـر النـاظرين، فقـد استطعـت أن أتعـرف عليـه لأول وهلـة. ومن شـدة المفاجـأة، وتحـت تـأثيـر وقـع الفاجعـة، فقـد ارتميـت عليـه، وانطلقـت بصفـة عفويـة أذرف دمـوعا حـرى وأصـدر نشيجـا متصـلا، وذلـك دون أن أعي مـا كنـت أصنـع ومن غيـر أن أملـك لـه دفعـا ولا توقفـا. والحـق أن هـذه النوبـة الثانيـة قـد سـاعدتني على استرجـاع شـيء من التـوازن النفـسي الـذي كنـت في أمـس الحـاجة إليـه.

 

لقـد كـان أثـر نـعي أخي مصطـفى قويـا للغـاية. إنـه أصغـرنا سنـا، فقـد كـان قـد أشـرف على أن يستـوفي عمـره الرابعـة والأربعيـن بعـد بضعـة أسـابيـع، وبالضبـط في الرابـع والعشريـن من شهـر فبرايـر المقبـل.

 

لقـد هـوت لبنـة هـامة من بنيـان أسرتنـا، وسقـط فـنن غـض من شجـرة عائلتنـا. ولكـن لهـذه الشجـرة امتـدادات مباركـة تمثلهـا ثلاثـة غصينـات، هـم عبـد الرحمـان وعدنـان ومـروان، سيواصلـون المسـار بـإذن اللـه، كـأشد وأسلـم وأقـوم مـا يكـون المسـار. ولكـم آلمـني منظـر هـؤلاء الصبيـة وهـم مقبـلون على ألعابهـم، كدأبهـم فيمـا مـضى من الأيـام، وكـأن شيئـا لـم يحـدث. نسـأل اللـه أن يتولاهـم ويكلأهـم ويعوضهـم مـا فقـدوه من عطـف وحـدب أبوييـن.

 

لقـد تـرك المرحـوم، بشهـادة الجميـع، سمعـة طاهـرة نقيـة. إنـه كـان إنسانـا بسيطـا، متواضعـا، هادئ الطبـع، حلـو المعشـر، مستقيـم السلـوك، لا يكـاد يحيـد عن جـادة الطريـق السـوي قيـد أنملـة. وكـان مجـدا ومخلصـا في عملـه، لطيفـا ودودا في معاملتـه لزملائـه وخلانـه. فكـان بذلـك يبـدو للنـاس وكأن لـه وقـار من بلـغ بـه الكبـر عتيـا.

 

وكـان المرحـوم قريبـا جـدا من والديـه، لا يكـاد يمـر يـوم دون أن يزورهمـا ويتفقـد أحوالهمـا، مقدمـا لهمـا كل مـا يحتاجانـه من عـون ومساعـدة، لا ينشـد من وراء ذلـك إلا رضاهمـا وفضـل دعواتهمـا له بالخيـر واليمـن والبركـة.

 

أمـا مع بـاقي أفـراد الأسـرة، فقـد كـان يمتـاز بطيبوبتـه، ودماثـة خلقـه، وبعـده عن كل مـا يمكـن أن يكـدر صفـو العلاقـات العائليـة. وكـان قليـل الكـلام، كثيـر الصمـت، لا يكـاد يتدخـل إلا في الأمـور الجديـة، رغـم جنوحـه إلى روح المـرح والهـزل في حياتـه اليوميـة. وكـان متأدبـا، لبقـا، ومتدينـا كأخلـص وأنبـل مـا يكـون التديـن، دون تقصيـر ولا إفـراط.

 

ثـم إنه كـان أسـرع مـا يكـون إلى البـذل والإيثـار. وهـو في ذلـك كـان حريصـا على العفـة والتكتـم، نافـرا من كـل مـا يشبـه المـن أو يدنـو من الفخـر أو التبجـح.

 

رحـم اللـه الفقيـد العزيـز، وأسكنـه فسيـح جناتـه، ورزق كافـة أفـراد عائلتـه، وكذا كل معارفـه، الصبـر والسلـوان، وشمـل أسرتـه الصغيـرة بواسـع رعايتـه، ووافـر نعمـه.

 

“إنـا للـه وإنـا إليـه راجعـون”. (يتبـع)

 

القنيطـرة، في 15/01/2012

أضف تعليقاً