لا شك بأن الربيع العربي فتحت أزهاره وفاحت روائحه وعمت الآفاق ، ولا شك أيضا بأن المطالب والشعارات المرفوعة ما هي إلا حقوقا مشروعة بالطبيعة كان يجب أن تكون لكل فرد فرد ودار دار وزنكة زنكة , ومن كان يسمك الوطن من الخلف طبعا هو المسئول الأول عن وضعيتنا هذه ،وهو المسئول الأول أيضا عن حرق الوطن العربي والزج به في أتون حرب ليست أهلية ، بل حربا بين جبهة أصحاب المصالح المهددة، و جبهة الحقوق الضائعة
لكن هذا لا يمنع بـأن نقف مع التجربة العربية في التغيير على وجه العموم والتجربة المغربية في التغيير ، ربما مجرد رصد لما يقع , لكن محاولة أيضا في التأصيل لفعل واع بمتطلبات المرحلة الحالية , و الحشد والعسكرة لمراحل وأشواط قادمة طبعا ستتسم بالحدة وشد الحبال شدا , في محاولة للتشبث بمكاسب المرحلة السابقة , أيضا في رفع سقف المطالب رفعا حتى يتسنى الضغط على أصحاب قرار اعتادوا أن يحكموا الشعوب بمنطق الغلبة والقهر , وألفوا كذلك التعامل مع حركة المد والجزر الشعبية , وبهذا نكون أمام حالة من الأخذ والرد المتبادل , والتأثير والتأثر المتبادلين , ونكون كذلك أمام واقع تسجيل النقاط وأمام جولات قد تطول بطول عمر الأزمة السياسية العربية , وبطول عمر واقع التخلف العربي و الـتأخر قي الالتحاق بركب الحضارة السائرة بسرعة الضوء.
إن ذكرى الحرب الليبية , والتراشق القاتل في اليمن , وعدد القتلى الكبير في سوريا بجعلنا نطرح السؤال في المغرب , هل الوضع الحالي وضع صحي؟ أم أننا أمام تشتت واضح أثرت عليه رائحة الدم ونبهت إليه الأفهام دوي الطلقات النارية والطلعات الجوية لحلف الشمال الأطلسي , وحجم التدخلات الأجنبية في حل الأزمات العربية التي كنا نأمل أن تكون داخلية وحلولها محلية بطعم البلد ومن عجينة أبناء الوطن!
إن مفهوم الانتماء للوطن يوجب التخلي عن كل أنانية والتجرد من أي انتماء في هذه المرحلة الحساسة والبالغة الخطورة , ولأننا أمام عملية بناء واعية ونأمل أن تكون كذلك ، وجب علينا الوقوف بعيدا والنظر بتجرد لهذه الأحداث.
في حوار عابر عبر الفايسبوك سألني صديقي منير الغيواني عن موقفي من حركة 20 فبراير , واندهشت لحجم الجرأة والوضوح التي طبعت السؤال , وما كان جوابي إلا مزحة وعن أي تاريخ في فبراير تتحدث يا منير؟
إذا كنت تقصد 21 فبراير يا منير أجيبك , أما عن 20 فلا أعرف تاريخا بهذا الرقم ،فلقد راجعت كل اليوميات ولم أجد فيها هذا التاريخ , لسبب واحد وهو أن 20 فبراير هي التاريخ بذاته , وهي المنعطف ولا تسعها أي يومية وبأن تكون مجرد رقم في يومية أراد المخزن المغربي أن يمزق ورقتها وحذف يوم 20 فبراير من التأريخ.
إن مكاسب هذه الحركة يا أخي منير تجاوزتنا وتجاوزت أحكامنا ومواقفنا منها ، إن ما حققته هذه الحركة العربية وفي نسختها المغربية ،عجزت عن تحقيقه كل الأحزاب والجماعات والمعارضات والموالاة
ولكن لا بد من وضعها موضع المساءلة في محاولة لترشيدها وحماية ظهرها من أي استغلال أو ركوب على موجتها
ومن هذا المنطلق , ومن تلك النية لا بد من الرجوع إلى تواريخ سابقة , ليس نبشا في الجروح , ولكن الوقوف عند بعض المفارقات العجيبة , والتناقضات الصارخة التي أصبحت تهدد حركة التغيير هذه , ولأن الكلمة في وقتها شفاء , وجب التنبيه عليها الآن وليس غدا.
إن الواقع العربي والمغربي على وجه الخصوص عرف تشرذما وتطاحنا على مرور وطول عمر المخزن المغربي المستفيد سابقا وحاضرا من أي فرقة , وهذا التطاحن كان ممنهجا ومقصودا وخلق لنا ثقافة التشتت والتفرقة ربما لا يستطيع أي أحد على المدى القريب لم جراحها وبهذه السهولة , رغم أن البعض يروج بأن المرحلة توجب لم شتات المرحلة بكل سرعة والتفرغ لمواجهة الأنظمة العربية , لكن يا أخي منير ثق بكلامي هذه المرة فقط واعلم بأن ثقافة التشتت لا تواجها إلا ثقافة الوحدة , وتعلم أنت وكل ذي عقل بأن تكوين ثقافة يحتاج وقت وقبل ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة منا نحن ولا شيء يعلو فوق صوت الوطن ومصالحه العليا , ولست هنا من أجل تثبيط العزائم , ولكن هذه مجرد دعوة عاجلة من أجل تصفية النيات والبدء في ورشة الحوار الوطني الصادق بعيدا عن أي دعوى بامتلاك حقيقة ضائعة أو تفويض إلهي مزعوم.
أنا أمام وضعية وقف إطلاق النار بين مكونات المجتمع المغربي بمكوناته الحية , ونحن لا نأمل خيرا من وقف إطلاق النار هذا, فقد أبانت التجارب بأن مثل هذه الوضعيات تنهار مع أول اتهام واتهام متبادل , بل نأمل بأن تتسم الوضعية اللاحقة بأخلاق ( إن بسطت يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك ), أي إلقاء السلاح بالمرة , والتسلح بالحوار الوطني الصادق والذي تذوب فيه الذوات داخل ذات الوطن الواحد , ولا يحتاج الواحد منا إلى غراب يعلمه كيف يواري سوءة أخيه , وبدون كل هذا سننتج مستبدين جددا , وبأشكال مختلفة وغير مبررة حتى ولو كانت بدعوى امتلاك الأغلبية في انتخابات نزيهة ,فما بالك بنتائج عاطفية وموضات وقتية لن تزيد من حالنا سوى مزيد من التقهقر أمام غياب التوجيه الواعي والمسئول
أكون متفقا معك بأن حال المواجهة مع الوضع الداخلي فرض هذه المرحلة بكل ما لها وما عليها , وبأن الشعوب لا وقت لها بأن تدخل مدارس التعلم , لكن أخي منبر إنما تقاس الحضارات بنجاعتها ومدى مردوديتها اللانسانية ,لكن الأفكار لم تمت بعد لتترك الأمور تمشي على عواهنها , وإن فقدت الشعوب الثقة في الأيديولوجية فهذه تجارب فقط , والحرية التي نأملها حرية للجميع , على أساس خدمة الناس والبرامج , ولربما تكون بعض التوجهات خانت طموحات الشعوب , لكن لم ينقطع الخير بعد , والمرحلة القادمة يجب أن نقاتل فيها بأن يعبر الجميع عن أفكاره , ليس ترفا في الاتجاه والاتجاه المعاكس , بل قناعة من أجل إسماع كل الأصوات للجميع , لأن في تنوعها مكاسب للجميع , فالكل له الحق في التأثير على وعي الناس , بل حتى على لاوعيهم وكما ألفنا , المهم هو أن يموت منير الغيواني وحركة 20 فبراير كاملة من أجل إسماع صوت الفرد منا.
تصبحون على وطن
