تعج دول العالم بالأمثلة الشعبية التي تنم عن إرث من الأقوال و الحكم المتوارثة أباً عن جد.
فلا يخفى على أحد أن مدينة أحفير هي الأخرى تعج بالأمثلة الشعبية وَ الأقوال المستمدة من تراثنا الشعبي ، هذا التراث المشترك على مستوى شاسع من حيث المساحة لكن تبقى لأحفير خصوصيتها.
فقبل أن ينحدر العديد من القرويين ليقطنوا بالمدينة ، كان مجملهم يسكن البوادي في مساكن مبنية “بالحجرة” ، سقوفها من خشب وَ قصب لا زالت إلى يومنا هذا مستعملة عند البعض؛ فكان “لمعلم البناي” البناء التقليدي يستعمل في عدته وَسائل بسيطة لا تفوق “ملاسة” و”كرماطة” و “بالة”؛ فتجده منهمكاً في إعداد حائط عرضه 50 سنتيمتر يُملئُ بالحجر الكبير تارةً و الحجر الصغير تارة أخرى، دون استغفال بعض الأحجار التي توضع في الزوايا فكانت تُسمى “بالقَنْتِية”
يكتمل البناء دوماً بمرحلة السقف ، و تتشابه منازل البادية في هندستها ، فتجد غرفةً منعزلة “مْجَيْرَة” هي بالطبع غرفة الضيوف ، فكلما أتى الضيف البعيد عن العائلة يذهب مباشرة إلى تلك الغرفة المنعزلة ؛ وَ قد شاهدت في بوادي منطقة دبدو أن تلك الغرفة لا يجمعها بالمنزل إلا منفذ صغير ،هو عبارة عن نافذة يأتي منها ما طاب وَ لَذ من المأكولات.
في زمن ليس بالبعيد جاء أحد القرويين إلى أحفير في مقهى معين ليبحث عن “مَْعَلَّمْ بناي /ماصو” يفقه في بناء مثل تلك الأسوار ، فلم يبق الكثير منهم ، فنصحوه بالذهاب عند أحد معلمين المدينة هذا الأخير وافق بعد اتفاقهم حول الثمن .
ذهب”الماصو” في صبيحة اليوم الثاني ، و بدأ أشغاله في ترميم الجزء الخلفي للمنزل ، لكنه لم يجد تلك الحجرة من التافزة ، ففضل بذكائه أن يستعمل حجراً من نوع آخر ، فجلب عدداً لا بأس به من حجر الواد ، و هي حجرة ملساء لا تصلح بطبيعة الحال لهذا النوع من البناء ، بكون الرجل لن يستعمل الإسمنت و إنما سيستعمل “الغيس” بدلاً عن هذه المادة.
بدأ عملية البناء ، حجراً فوق حجر ، ذهاباً و إياباً، لكنه لاحظ أن الحائط أصبح يميل / يتبوق ، فأسرع في البناء حتى لا يلاحظ ذلك صاحب المنزل.
أكمل البناء ، فجمع عدته ثم نادى صاحب المنزل ، يا فلان يا فلان ، جاء عنده الرجل فطلب منه أن يعطيه أجره ؛ قال له صاحب الدار” نتلقاو غدا نشا الله فالسوق ما عنديش لفلوس ضروك حتى لغدوا نبيع شي صوف أو نخلصك ” ،
أجابه الماصو وَ ينظر إلى تلك التبويقة / الحيط داير الكرش/ ، قال لصاحب الدار ” اعطيني أنا الصوف نبيعها با ش نصرف أصاحبي” وافقه صاحب الدار ، فأعطاه الصوف و من ثم ركب الماصو عجلته وَ ذهب في عجلة من أمره ، ما فتئ أن يصل طريق “الكودرون” حتى تهرهر الحيط.
بدأ صاحب الدار ينادي : وا السي فلان وا السي فلان ، الماصو دار براسو ما اسمع والو.
التقيا في اليوم الموالي داخل سوق المدينة ، بعدما باع الماصو الصوف و بعدما انتهى من شراء “مصروفه” ، سأله صاحب الدار ” أ صاحبي عييت ما نلغالك البارح أو ما سمعتنيش ” أجاب الماصو “ياك لاباس”
قال له صاحب المنزل ” راه الحيط اللي بنيتلي طاح”
أجاب الماصو “واش بصح، طاح كاع ؛ فسأل صاحب الدار ” منين كنت تجيبلي الماء ، أجابه صاحب الدار قائلا ” من المصبن”
هنا وجد الماصو الحل أو بالزربة ازرب على مول الدار ، قالوا يا صاحبي الماء فيه الصابون ، عليها الحيط طاح كان خاصك تجيبو بالساكية ولا بالحاسي.
منذ سمعت هذه الحكاية فهمت جدا لماذا هناك مثل شعبي يقول ماصو مغنية اللي بناه الصبح يتهدم لعشية ،
بـقـلم يسين مزاكة
2012

