في كل يوم من الثاني عشر فبراير يحتفل الشعب الأمريكي بعيد خاص يطلق عليه اسم عيد الرؤساء , وفي هذا اليوم تتعطل الدواىر الحكومية وتغلق المدارس أبوابها في مثل هذه الذكرى يتذكر المواطن الأمريكي رؤساءه وانجازاتهم بل وحتى اخفاقاتهم , الا أن صيغة الجمع لهذا اليوم تجعل المواطن يحتفي بكل الرؤساء من جورج واشنطن الى أوباما , فكل مواطن أمريكي يبلغ من السن ستون سنة يتذكر على الأقل أنه عاصر سبعة رؤساء , ويتذكر أيضا نعمة التناوب والتداول على السلطة , وهو يتذكر, لا زال المواطن الأمريكي داخليا يملك صوته الحر , يوجهه حيث يشاء , يصبر لسياسة الرىيس ولاية رىاسية وهو ظاغط على زناد صوته المؤثر والغير المتلاعب به , صوته يدور ويتغير حيث درات سياسة الرىيس الداخلية , وبهذا تكون ذاكرة المواطن الأمريكي متحركة ومتراكمة تراكم التجربة الديمقراطية الأمريكية الداخلية.
صديقنا العربي المسكين اذا وصل سن الستون سنة , تحتفظ ذاكرته بصورة صنم واحد , وعلى الأكثر صنمين , أخذت الموت أحدهما أو انقلاب ثوري أطاح بالعزى لتخلف مكانها مناة الثالثة الأخرى
هذه الصورة غنية عن كل تعليق , فالشعب هو الذي يتناوب على الرىيس , يموت الشعي ليحيا القاىد المفدى , يفنى الشعب من أجل اطالة عمر التجربة الديمقراطية العجيبة , ففي زمن التحول والحركية , لا زال الواقع العربي ثابتا في مكانه , كل شيء تغير وتبدل في العالم , أوروبا الشرقية تغيرت , أمريكا اللاتينية تغيرت , افريقيا السمراء كذلك بل حتى المناخ تغير وتبدل الا واقعنا الواقف المتعطل
فبالرغم من أن هوامش الديمقراطية من حرية تعبير محدودة . وانتخاب ممثلي الشعب وصياغة دساتير , وتشكيل الأحزاب , الا أن الديمقراطية بتجلياتها الحقيقية والقوية المؤدية الى تداول السلطة والتناوب الحقيقي على الحكم ما زالت غاىية غياب تاما , فالأنظمة القاىمة غير مطمىنة على افرازات الديمقراطية وفسح المجال للجماهير لاختيار ممثليها بكل حرية وتداول سلمي على السلطة , وهذا كله من أجل تنمية مستدامة وتوزيع عادل للثروات , لانه لا تنمية بدون ديمقراطية حقيقية وتناوب فعلي على السلطة , رغم أنه في بعض الحالات تحقق الأنظمة القمعية تقدما اقتصاديا نوعيا , لكنه سرعان ما يتحول الى استفادة خاصة الى عاىلات لم تقتسم السلطة مع الشعب فكيف لها أن تقتسم ثروات وخيرات هذا النمو الذي اصبح نموا لهم يتقاسمونه مع كل من تحالف معهم ضد الشعب من عسكر وأمن وحاشية وأحزاب سياسية واصهار حتى , بل يتقدم أهل الثقة أكثر فأكثر امام تراجع قوي لأهل الكفاءة , فموقعك مرتبط بدرجة خدمتك وولاىك لهبل , وبهذا تزيد ثقته بك وتتسلق السلم الاجتماعي بكل سرعة على حساب ملايين الأكفاء , الذين ذابت أبدانهم من شدة الفقر والصبر.
وهنا يجب الوقوف عند هذه العقلية الساىدة في كل البلاد العربية , يجب الوقوف جيدا عند هذه الممارسة ونمط التفكير هذا , فقد أصبح الأمر جهازا مفاهيميا عند الجميع , فنفس النمط موجود عند الأحزاب , وكأن السلطات العربية أوصلت هذه العدوى اليها من كثرة العلاقة الغرامية التي تجمعها بها فكيف لاو هي من تختار أمينها العام وهي من تمول مؤتمراتها , وهي من تحدد لها نسبة المقاعد , وأصلا وحقيقة لا يمكن الفصل والتمييز بينهما , فبنفس المعايير تتعامل أحزابنا حتى مع منخرطيها , وكأن كل شيء قسم وانتهى الأمر وما عليك الا أن تكون مضافا اليهم ومفعولا بك وراضيا وخانعا وصابرا وغير فاعل.
ان مثل هذا الواقع لا نتيجة له سوى مزيد من الحباط واليأس , وتزيد بذلك درجة اللامبالاة والبله السياسي بل والبلادة والاستحمار كذلك , وفي الطريق يتم غلق كل المنافذ على كل طامع من الشعب
كيف اذن ننتظر واقعا آخر غير الترهل السياسي الذي أصاب الواقع العربي , رغم أن بعض النخب السياسية تحاول اضفاء شيء من المساحيق على وجه الأنظمة العربية المستبدة , لكن سرعان من تختفي تلك لمساحيق مع أول هبة للشعب كما وقع عند أهل تونس الخضراء , حيتها تختفي نظرية المؤامرة الخارجية , وتغيب ادعاءات المصلحة الداخلية وتسقط نظرية حاكم ظلوم خير من فتنة تدوم , حينها تجد كل طبل لهذا النظام داخليا أو خارجيا يتراجع أمام ظغط الشعب وصرخاته التي تواجه الرصاص الحي بصدر عار
كان الأولى أن تراكم الأنظمة العربية مزيدا من الثقة والتداول الفعلي على السلطة , لا أن تجعل من صناديق الاقتراع ممتلكات خاصة , بل أصناما هي كذلك , لها كهنتها وسدنتها ,وحتى لا تضيق ذاكرتنا بصورة صنم واحد ما علينا سوى ترسيخ الفعل الديمقراطي في أنفسنا أولا ومن داخل عاىلاتنا , ومن خلال جمعياتنا ومحيطنا القريب , حتى نؤمن بجدوى الديمقراطية أولا قبل أن نطلبها أو نمارس آليلتها , فالثقافة تواجه الثقافة , ومدرسة الأفكار تواجه معاهد البحث والتعلم , سيما ونحن أمام تدفق المعلومة وبهذا الشكل الكبير دون رقيب ولا حسيب , واساليب وهياكل التجمع اصبحت لا تنتظر ترخيصا أو وصلا للايداع , وحتى صنم الزعيم والملهم العظيم غاب , فبدخولك لأي منتدى لشباب ثورة الياسمين المجيدة , سيتضح لك جليا بأن قواعد اللعبة تغيرت , فالكل يقترح والكل يشارك في برلمان افتراضي مؤثر وفعال من أي برلمان يتقاضى أعضاىه أجرهم من أجل التصديق على الباطل واطالة عمر المتسلط.
باحفير
