You are currently viewing لحظـات لا تنـسى (3 – 4)

لحظـات لا تنـسى (3 – 4)

لقـد سـاد خـلال الأسبـوع المـاضي بأحفيـر طقـس قـاس وقـر شـديد، وخـاصة عندمـا يـأتي المسـاء، ونجـوم الليـل تنثـر. وليـس من عـادة أغلـب أهلنـا هنـاك أن يلجئـوا إلى أيـة وسيلـة للتدفئـة. فهـم يستعينـون على البـرد القـارس بكثـرة الصبـر وبمـا يتوفـر لديهـم من لبـاس وأغطيـة. ولعـل في ذلـك مـا يجـدي ويغـني عن أيـة تجهيـزات عصريـة لتلطيـف الجـو.

لقـد حـدث أن جلسـت صدفـة مع إخـوتي في مقـهى “الجزيـرة” بحي الزيتـون. وهـو مكـان يتميـز بموقـع جميـل ومساحـة خضـراء فسيحـة. غيـر أن شراسـة البـرد تشكـل لا محالـة عائقـا أمـام التمتـع بتلـك المزايـا في هـذه الأيـام.

وقـد عجبنـا كل العجـب حين ذكـر لنـا النـادل أن أخانـا، المرحـوم مصطـفى، كـان يتخـذ لنفسـه عين المكـان، بل نفـس الطاولـة، التي كنـا نجلـس حولهـا. وأضـاف بأنـه كثيـرا مـا كـان يـأوي إليهـا وحيـدا، فيظـل طويـلا وهـو مستغـرق في صمـت عميـق، منهمـك في تأملاتـه، مرسـل نظراتـه على كـل مـا يحيـط بـه ويـروج من حولـه. وقـد تـرك هـذا الأمـر في أنفسنـا أبلـغ الأثـر وأعمـق الوقـع. فالأمكنـة لهـا مواقـع في القلـوب وآثـار في النفـوس، تجعلهـا تبـدو وكأنهـا كائنـات حيـة، تؤثـر وتتأثـر، تـروي أحداثـا وتحـكي روايـات، وتبـث أحـاسيس ومشاعـر تهتـز لهـا أعمـاق الإنسـان وجوارحـه.

وبينـا أنـا جالـس في تلـك المقـهى، إذا صديـق قديـم يدنـو مني ويصافحنـي. إنـه السي بوزيـان، رجـل التعليـم المتقاعـد، ذو المـاضي الإنسـاني الجمعـوي والنضـالي المعـروف في بلدتنـا على نطـاق واسـع. وقـد بلغـه، عن طريـق الصدفـة، نبـأ وفـاة أخي فهـرع لتقديـم العـزاء لأفـراد العائلـة الذيـن يعرفهـم جميعـا.

وقـد سألتـه عن أحـوال الأخ، والصديـق المشتـرك، مزاكـة، فاقتـرح علي على الفـور أن نقـوم بزيـارته في منزلـه المتواجـد في نفـس الحـي. فكـانت فرصـة مواتيـة جالسنـا فيهـا ذلـك الرجـل الطيـب الكريـم، واطمأننـا على صحتـه، وتبادلنـا وإيـاه أطـراف الحديـث في وقـت طـال دون أن نـدري. وكـان كعادتـه بشوشـا، ميـالا إلى الدعابـة والمـرح، غيـر مكتـرث لظروفـه الصحيـة. ولا شـك أن تلـك الجلسـة الحميميـة قـد غمرتـه بقـدر غيـر قليـل من الراحـة الجسميـة والنفسيـة، وذلـك لجـو الأنـس الصـافي الطليـق الذي طبعهـا. (يتبـع)

 

القنيطـرة، في 17/01/2012

 

لحظـات لا تنـسى (4)

ئيمـر قطـار الحيـاة، ويـدور الزمـان دورتـه، وتمـضي السنـون والعقـود، ويـأبى الإنسـان إلا أن يتعلـق بمرابـع نشأتـه وصبـاه وفتوتـه، ويتمسـك برمـوز ومواقـع لم يعـف رسمهـا ولا درس أثرهـا، رغـم تـداول الأيـام وعبـث الدهـر.

لقـد وجـدت نفـسي، بطريقـة تكـاد تكـون لاشعوريـة، أنطلـق صـوب الـدروب والمسالـك والأزقـة التي عرفتـني طفـلا، ثـم صبيـا فيافعـا. فقـد يممـت شطـر “حي مسعـود” (غـار الجيفـة سابقـا)، وبالضبـط عنـد مداخـل شـارع الشهـداء والطـرق المقاطعـة لـه، غيـر بعيـد عن واد كيـس، الذي لـم يبـق من ألـق ماضيـه المشـرق غيـر الإسـم.

وقـ مشيـت الهـوينى على طـول زنقـة عيـن الصفـا التي عرفـت النـور في إحـدى دورهـا ذات يـوم جمعـة من عـام 1951، في درب بـدون منفـذ مـا زال يصـارع الزمـن، بعـد أن شملتـه بعـض الإصلاحـات والترميمـات التي مـا كـانت لتستطيـع أن تـواري شيئـا من معالمـه العتيقـة، ولا أن تمحـو منـه جاذبيتـه المعنويـة وحمولتـه العاطفيـة والروحيـة التي تشـدني إليـه شـدا وتدفعـني إلى معاينتـه عن كثـب، كل ذلـك في استمراريـة ومواظبـة لا يفترهـا نصـب ولا لغـوب ولا ينغصهـا ضجـر ولا سـأم.

وقـد أدى بي فـرط الفضـول والحنيـن إلى المـاضي السحيـق أن أولي وجـهي شطـر الحي القديـم الـذي عشـت فيـه وترعرعـت حينـا من الدهـر في الخمسينـات والستينـات من القـرن المـاضي، والـذي يقـع بحـذاء المقابـر الثـلاث.

وهكـذا انتـهى بي المطـاف في آخـر زنقـة تغجيـرت لأتوغـل داخـل طـريق غرناطـة، ذات الإسـم الجميـل والشحنـة الوجدانيـة العميقـة، والـذي يتميـز بثلاثـة دروب بـلا منفـذ. ولهـذه الأماكـن مـا لهـا من بقايـا ذكريـات الطفولـة الحالمـة، حيـث كـان لي أصدقـاء وأتـراب الصبـا، وكـان أكثرهـم من الإخـوة الجزائرييـن، الذيـن كـانت تربطنـا بهـم صـلات الجـوار الطيـب ووشائـج الصداقـة الخالصـة وكـذا علاقـات الدراسـة.

وتتقاطـع هـذه الطـريق مع درب تافوغـالت الضيـق، الـذي كـانت تقيـم بـه عائلـة بوغريـط الجزائريـة. ولعلهـا كـانت، فيمـا أذكـر، تملـك أكبـر محـل للتجـارة بالجملـة آنـذاك.

ومـا هي إلا خطـوات معـدودات حتى وجـدتني أقتحـم زنقـة مليليـة، حيـث قطنـت أسـرتي في داريـن غيـر متبـاعدتيـن. والغريـب أنـني حيـن مـررت بمنزلنـا الأول، وهـو ثـاني محـل على اليميـن بعـد أن تغـادر زنقـة غرنـاطة، صـادفـت قـرب البـاب سيـدة طاعنـة في السـن، يعـلو محياهـا الوقـار والسكينـة، فنظـرت إليهـا نظـرة متفحصـة، وبادلتـني نظـرة مثلهـا أتبعتهـا بالتحيـة والسـلام، فدنـوت منهـا سائـلا هـل هي ربـة الـدار، فأجـابت أن نـعم، وزادت أنهـا قـد ابتاعتهـا بدايـة الستينـات من شخـص اسمـه عبـد القـادر. وطبعـا، لـم يكـن ذاك الإنسـان إلا والـدي. فأنبأتهـا بهويـتي، فابتهجـت وانبسطـت أساريرهـا، وأكـدت لي أنهـا مـا زالـت تذكـر ملامـحي رغـم عـدة عقـود خلـت.

طفقنـا نتبـادل أطـراف الحديـث وشـذرات من ذكريـات الأمـس البعيـد، حتى أقبـل رجـل قـد وخـط الشيـب رأسـه، فسلـم وسـأل عن هـويتي. فأدركـت أنـه ابن السيـدة، ذاك الـذي لـم يكـن يومئـذ إلا طفـلا في السنـوات الأولى من عمـره، ولذلـك فلـم يكـن لـه عهـد لا بشخـصي ولا بعائلـتي في ذلـك التـاريـخ.

ومعلـوم أن منزلنـا القديـم قـد حـافـظ على صورتـه الأولى، ولعلـه الوحيـد الـذي لـم يطـرأ عليـه أي تغييـر يذكـر في ذلـك الـدرب. وهـو منـزل بسيـط، يقـع في طـابق أرضي فقـط. وقـد كـان ذلـك هـو حـال جـل منـازل حينـا في ذلـك الـوقـت. (يتبـع)

 

القنيطـرة، في 22/01/2012

 

بـقـلم عمـرو بالحسـن

 

أضف تعليقاً