You are currently viewing لعمـــود أنتاع الزبــّـوج!

لعمـــود أنتاع الزبــّـوج!

باسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم،

السلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته،

أخي مصطفى أتمنى أن تكون بخير وأهلك بخير وتلاميذك بخير.. واطهلا، اطهلا فـ”المحضرة”.. فأحسن معاملتهم فهم بمثابة صدقة جارية.. إذا أحسنت إليهم فسيذكروك دائما بخير، وسيدعون لك كما يدعون لآبائهم..

من خلال “همساتك” هاته أرى أن عالم التربية والتعليم مع كل المآخذ والانتقادات يبشر بخير في إحدى جوانبه الأساسية ألاَ وهي علاقة المعلم والمتعلـِّم.. إني واثق كل الثقة أن التعليم في حضن التربية هو معاملات، اقتداء بـ”الدين المعاملة”.. تماما تماما..

لماذا أقول لك ذلك؟

لأنني عند قراءتي لنصك استحضرت معاملات بعض معلمي المدرسة القديمة، منهم من كان متأثرا بالمستعمر أي بالقميص أو المئزر الرمادي ومنهم من كان منشرحا لتطبيق الفلقة.. إرث جاؤوا به من مدرسة تكوينهم أي الكتاب (الجامع) وَرِثوه عن أصحاب العمائم (الفقهاء) وطبقوه بحذافيره في مدرسة ما بعد الاستعمار..

قلة قليلة كانوا طيبين من حيث المعاملات، للأسف الشديد الغالبية الكبرى كانت لا علاقة لها بالتربية، كانوا جلادين بمعنى الكلمة وهذا جعل التلاميذ يفضلون الفرار كلما رأوا هذا النوع من المعلمين مارا في الزقاق، في السوق أو في ملعب كرة القدم..

الأدهى والأهول أن هؤلاء كانوا متخصصين في أنواع العقاب.

تصور أن التلاميذ، من شدة الخوف والرعب من معلمهم، كانوا يترقبون نوع ولون الهندام الذي سيرتديه هذا “المعلم/المربي”؟؟؟

آه لو قرأ صاحب اللون الأحمر! وأجابني لماذا كان يعاقب، على غير المعتاد، عندما يلبس لبسته الحمراء؟ وكأنه يأتي من أجل الجلد وليس من أجل التعليم..

آه لو قرأ المختص في 100 تحميلة و “واحدة شاهدة” كما كان يرتاح إلى قوله، لماذا كل ذلك الطغيان ؟؟؟

آه لو قرأ المختص في “الصمطة” (الحزامة)، والمختص في “الرّْجـَلْ انتاع الطابلة” يا عباد الله؟

وصاحب “عمود الزيتون” وقصته مع التلميذ الذي كان يقطن بالبادية (أغبال) والذي أُرغـِم، مسكين، بإحضار عمود كان هو أول من ذاق وباله، لا لشيء إلا أن معلمنا قرر أن “يسيـّي” فيه؟؟؟

وما رأيكم في المراهنات بين المعلمين في كون “عمود الزبوج” أقسى الأعمدة آثارا ومن الأفضل تبنيه بدل نظيره من الرمان؟؟؟ مع العلم أن عمود الرمان، والله آ اخـّوت إلى يكـَلع الجلد، الكـَدّيد

والآن حفظك الله إسمع معي قصة ذلك الفنان في التعذيب بدون عناء… لأن الأنواع الأخرى كان فيها عناء : (4 صـْحاح، بعض المرات يقتضي الأمر إلى شد وثاق التلميذ “المجرم” يعني “يتـْكتـّف” إذا كان قوية البنية، وعملية الضرب في حد ذاتها مرهقة، خصوصا من الناحية النفسية لأن التلميذ المعاقـَب غالبا ما يسرع في تفادي الضربة “يخوي”، مما يجعل المعلم المريض “يتغلغل” ويتنرفز ويصرخ.. ولا يهنأ له بال ولا يهبط ضغط دمه إلا إذا رأى الضحية ترضخ وتبكي وتتألم…) إذا لم يكن هذا مرض نفسي فماذا يعني يا إخواني؟ نوّروني حفظكم الله.

لا لم أنس صاحبنا الذي أبدع ” التعذيب بدون عناء”؟؟

إنها المسطرة الحديدية بين الأصابع، يديرها صاحبنا بدون عناء.. أو الضرب بها على ظاهر اليد

والغريب في الأمر أن الآباء كانوا يباركون كل عقاب.. بطاقة بيضاء مكتوب عليها : “أنت ذبح وانا نسلخ”

قد يقول قائل لولاهم لما تعلمت ولا تعلم جيل بداية الاستقلال، وما عليك إلا أن تقارن بين مستوى التلاميذ الذين ترعرعوا في حضن مدرسة المئزر الرمادي وإرث العمامة والجيل الذي تعلم عند بوصحبة وجلول… لا من حيث المستوى ولا من حيث الأخلاق.

أجيب أن الأمر ليس بالهين، وأن الظروف مختلفة.. وأني بالرغم من كوني كنت لا “آكل” الضرب إلا نادرا.. كنت أعيش في عذاب يومي، الخوف كان يغمرني منذ الصباح الباكر وأذكر أنني لم أتناول فطوري على مر الفترات الدراسية في الابتدائي.. “يصبح فيّ لوجع” ومنذ أمد بعيد وأنا أتساءل ولم أجد أجوبة لتسلؤلاتي.. وحاولت حتى إيجاد أعذارا لذلك النوع من المربين، لم أجد شيئا بل بالعكس كانوا يعتبرون من الطبقة المتوسطة ماديا، أغلبهم من الشباب الذي وجد وظيفة بسرعة، كان لهم مستوى جيد باستثناء “الفقهاء” الذين كانت لهم بعض الثغرات..

قد يكمن السبب في الثغرة البيداغوجية؟؟

أظن أن الكشف عن الأسباب يستدعي دراسة ميدانية مع هذه الشريحة من المعلمين أو ما تبقى منهم؛ أغلبهم قضى نحبه وقليل منهم من ينتظر.. دراسة تولي أهمية للمقاربتين النفسية والبيداغوجية لعل أصحابنا يبيحون لنا بالأسباب أو بعض منها على الأقل. ولكن على ألا تغفل مثل هذه الدراسة الجهات الأخرى، تلاميذ تلك الحقبة بطبيعة الحال، الآباء، والسياسة التربوية آنذاك.

هذه شهادات شخصية قد يوافقني فيها البعض وقد يجد آخرون فيها مغالات.. ولكن تبقى شهادات لأحداث في المجال التربوي عايشتها وعانيت منها ولم أتخلص من بعض العقد التي خلفتها في تكوين شخصيتي إلا بعد عقود من الزمن.

وأريد أن أشير في النهاية إلى أنني لا أكن حقدا أو ضغينة لمن تتلمذت على أياديهم، بل أشكرهم على الجانب التعليمي ولكن أعاتبهم على طريقة العقاب العنيفة والمجانية في بعض الأحيان.. ولكن لا ننسى أن الكثير منهم كانوا السبب الرئيسي في ضياع كثير من الناس.. نعم هي مسألة نظام تربوي بأكمله ولكن الضحية إذا سألته أجاب: لن أسمح لفلان وليس للمؤسسة التربوية.

 

أترككم في أمان الله وحفظه

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

عبدالحكيــم تاسيرارت،

باريس،

2009

أضف تعليقاً