ساستان.. دوستوييفسكي أحفير !
archive_ahfircom
08/03/2018
0
695 LECTURES
Archive - Articles
رحم الله ميمون ساستان.....
بقلم الخزاني(1)

رحم الله عمنا ميمون ساستان، كان في مرتبة دوستوييفسكي ولكن لم نفهمه آنذاك، كنا نمرح بمجالسته ولاستماع إليه ولكن لم يتورع أحد أن يقول يومذاك أنه رجل أدب رغم أنه لم يدخل مدرسة "الكولون" ولا جامع الدوار، أدبه كان شفاهيا، تلقائيا مسترسلا.. يسر السامعين..

لماذا أحدثكم على هذا الرجل الذي يمكن اعتباره من رجالات البلد الأبطال.. ممن كانوا بالفعل يأكلون خبز عرقهم.. كان في كل يوم يلامس الموت بمحاذاته الألغام المزروعة في الحدود الأحفيرية الجزائرية جهة "لازيطا (alazetta) ومنطقة المناصب الملغمة، لجمع الأسلاك الشائكة التي وضعتها القوى الامبريالية الفرنسية إبان مرحلة حرب التحرير الجزائرية ولوضع حد لتسرب بعض المجاهدين أو الأسلحة إلى الثوار في الجزائر المدعمين على كل الأصعدة من طرف إخوانهم في أحفير.. وهذه شهادة للتاريخ لم ولن ينكرها أحد..

الحديث عن المرحوم ابن المرحومة لويزة التي حرص على الاعتناء بها ونكران ذاته حيث لم يتزوج فكانت أمه هي همه الوحيد، يدعوني اليوم إلى التأكيد على الجانب الأدبي.. كل من يعرف المرحوم.. يعرف قصته مع "المشة" وعلبة السردين.. ولكن مجالسيه ربما لم تفتهم إحدى طرقه في السرد والتي كان يقول فيها مثلا إذا أراد أن يحدثك عن شيء أو شخص أو حدث.. فكان -مثلا- رحمه الله يحدث بصوته الأجش الأبح: "اليوم تلاقيت عمرو البنهاري.. تعرفوه ؟ هذاك اللي كان يعزب فتينيسان.. تعرفوا تينيسان؟ ثمّا ترصي الضبابة، ما بقى والو لفوغال.. تعرفوا فوغال ؟ مين يكون عندنا فاحفير الصرد يكون معمر ثلج، ابحال عصفور.. تعرفوا عصفور؟ ذاك الجبل اللي يصيفت آصميض لوجدة.. والله آ احبابي مين عصفور يبقى يصوط ما يقدك لا بورابح لا تليس.. تعرفوا التلـّيس........"

انتبهت لهذا النوع من السرد وأنا أقرأ رواية دوستوييفسكي "الناس الفقراء" إن جازت الترجمة: الفرنسية "les pauvres gens" للأصل الروسي - لقارئي هذه اللغة - وهذه الرواية بالمناسبة هي أول رواية للشاب دوستوييفسكي المستوحاة من قصة الكاتب الروسي الكبير گوگول: "المعطف".. كان في عمره 20 سنة تزيد أو تنقص قليلا، ولقد أدهشت مخطوطة "الناس الفقراء" الناقد الروسي الأكبر آنذاك بيلنيسكي. وحكاية بيلينسكي مع مخطوطة دوستوييفسكي حكاية في حد ذاتها تتطلب وقوفا واهتماما يليقان بالناقد والكاتب معا وهذا ليس موضوعنا ولو لم أعد إلى موضوع مقالي سأتيه تيه عمنا المرحوم ساستان..

أريد فقط أن أعرض عليكم ما ورد في نص رواية "الناس الفقراء" التي نشرت لأول مرة في "le recueil Pétersbourgeois" والفقرة الوارة في طبعة فرنسية حديثة نسبيا(2) تقول:
... في رسالته إلى فارينك، يكتب مكار أليكسييفيتش وهو يحكي ما حدثهم به صديقه راطازياييف
"... ،طيب، والآن، مثلا ، مقطع من الوصف الطرافي، يسرده، في الحقيقة للترويح:
هل تعرفون إيفان بروفييفيتش البطن-الأصفر؟ هيا ههه..، هو نفسه الذي عضّ ساق بروكوفي إيفانوفيتش.. إيفان بروكوفييفيتش هو رجل معروف بطبعه؛ فهو صعب المراس، ولكنه رجل مستقيم وورع وفضيلته قل نظيرها: بالمقابل بروكوفي إيفانوفيتش يحب بدون قياس الفجل الأسود بالعسل.. وقتها كان يصاحب بيلاگييا أنتونوفنا... ولكن هل تعرفون بيلاگييا أنتونوفنا؟ هيا.. تلك التي ترتدي دوما فستانها بالمقلوب..."
ضحكنا حتى انثنينا، فارينكا.. ضحكنا.. وهو يقرأ علينا هذه الفقرة.. انتهى كلام مكار أليكسييفيتش.

هذا بحق استرعى انتباهي وأثار عندي دهشة لوجه الشبه في سرد عمنا ساستان الذي كان يحدثنا بعفوية رائعة وما كتبه دوستييفسكي، أحد عمالقة الأدب العالمي.. فهل يمكننا أن نعتبر أن الأمجاد هي وليدة التقاء الصدف والظروف؟

رحم الله عمنا ساستان..
والمجد كل المجد للعبقري فيدور دوستوييفسكي وتركته الأدبية.. هذا الرجل الذي مهما تحدثنا عن الظروف فلم تكن أبدا ملائمة ومهيئة ومن كل النواحي : طفولة قاسية، صحة لا يحسد عليها (طول حياته عانى بالصرع)، سجنه 4 سنوات بسيبيريا زاد من معاناته النفسية.. بإيجاز لقد دفع كاتبنا ثمن عبقريته غاليا حتى قبل أن تبتدىء وتتفتح.. ولكن أليس هو الذي - منذ سنوات طويلة - كان يكتب هذه العبارة شديدة الدلالة: "إن زيادة الوعي والإحساس بالضمير هي مرض حقيقي.. أقسم لكم بالله!.."

وبالمناسبة أحث المهتمين بالأدب العالمي أن يقرؤوا، بل وأن يعيدوا قراءة كتب دوستييفسكي عدة مرات.. وهذه إلى جانب "الناس الفقراء" بعض روائعه الخالدة: الممسوسون، أو الأبله، أو الجريمة والعقاب أو الإخوة كرامازوف، أو مذكّرات من تحت الأرض، الخ..

الخزاني
2014.01.25

(1) نشر نفس المقال لأول مرة بأحفير.كم بتاريخ 2014.01.25
(2) ACTES SUD (Babel), 2001, p. 107

COMMENTAIRES

Commentaires reservés aux membres ahfir.com





samirdehmej
09/12/2018
.برنامج تيسير قد يحرم المئات من تلاميذ أحفير من الاستفادة بالمنحة المشروطة
samirdehmej
09/12/2018
الكلاب الضالة تغزو مدينة أحفير
samirdehmej
09/12/2018
انتصار عريض لاتحاد أحفير
abouyace
06/12/2018
نَـكّـَتْبـوا التــّاريـخ ؟
samirdehmej
07/12/2018
من قلب الحدث متابعة مباشرة لأحداث فرنسا صور