أمس  19:04
أمس  13:59
23.07  21:04
20.07  21:35
20.07  21:09
 
       شؤون مغربية      شؤون عالمية      أحفير .. تاريخ و جغرافيا      إبداعات      تعزيات      مقالات رأي      جهوي  كـل المقـالات
إبداعات

ماسح الأحذية *
- بـقـلم حميد أبو ياسر
- إقـرأ لنفس الكـاتب

04 01 2017 - 09:57


 

"لو كان الفقر رجلا لقتلته" (1)

كان اسمه سعيدا ، رغم أنه لم يعرف غير حياة البؤس والشقاء. تجرع مرارة الفقر منذ نعومة أظافره. مات أبوه ، لم يترك لهم سوى كوخا قصديريا في حي زيدور الشعبي، أو العشوائي كما يحلو لحكوماتنا ومجالسنا المتعاقبة أن تصنفه، لما يستعصي عليها حل مشاكله...

يخرج سعيد صباحا حاملا صندوقا خشبيا، مُلمِّعا ، "شيتة" وخرقة بالية. هذا كل ما يحتاج له في عمله. يجوب الشوارع شارعا شارعا. يمر بجميع المقاهي ، مقهى مقهى عبر كل الازقة ... يبحث عن أحذية خشنة مغبرة يسترد لها نظارتها وبريقها.

غادر مقاعد الدراسة بعد أن لم تتمكن أمه العجوز المسكينة توفير مصاريف الدراسة والأكل .فاضطرته هذه الظروف إلى الاشتغال ليعيل أسرته.وجهه الطفولي الحزبن لفتحه شمس أغسطس من كثرة التجوال. عيناه غأئرتان بهما مسحة حزن دفين .لكنه لم ييأس. لا زال يحتفظ ببصيص أمل . ينتظر فرجا قد يأتي أو لا يأتي. ينتظر غودو... (مثل أبطال مسرحية صامويل بيكيت (2)
أمله الوحيد، هو أن يعود يوما ما إلى مقاعد الدراسة مثل أقرانه .خصوصا أن لديه رغبة كبيرة في التعلم.

كنت جالسا في إحدى المقاهي أقرأ جريدة لما رمقته يلمع حذاءرجل كان جالسا مع ندمائه .
كان سعيد يقوم بعمله بإتفان وبحركات ميكانيكية خفيفة ورشيقة عله ينال رضا الزبون .بينما هذا الأخير يداعب سيجارته الشقراء بلطف ، كان غثا سمبنا (تكرَّش حتى صار بلا جسد .كما يقول أحد الشعراء غاب عني اسمه الآن.) لا يبالي بمن حوله ، ثرثار يحترف مجانية الكلام ، يتحدث بصوت جهوري مثل شباط ،مهرج يعرف كيف يحرك مشاعر الناس ويعزف على وترهم الحساس . شعبوي.
لم يلتفت الرجل إلى سعيد إلا حين نبهه بأن عليه أن يستيدل وضع الرِّجل الأخرى على الصندوق الخشبي بعدما فرغ من تلميع الفردة الأولى من الحذاء.ثبت رجله على الصندوق أشعل سيجارته وعاد إلى حديثه
رغم تفاهته كان يسلي كل من حوله يدرك حيدا كيف يخاطب عواطفهم .ألم أقل لكم إنه يشبه شباط.

لما فرغ الطفل من عمله، انتصب واقفا منتظرا ما سيجود به الزبون عليه.أخرج الاخير من جيبه ،بعض الدراهم،لا تتعدى ثلاثة، تيقنت من ذلك حين رأيته يعُدها،ثم رمى بها فوق الطاولة محدثة رنينا.إلتقطها الطفل دون أن ينبس ببنت شفة.تأبط صندوقه ومضى.
مر بمحاذاتي ،محدثا صوتا بالدق على الصندوق.
هل تلمع؟ مشيرا إلى حذائي . سأجعله جديدا كأنك اشتريته الآن.
اعتذرت ثم طلبت منه الجلوس. أمام إلحاحي لم يجدا بدا من الإذعان للأمر.
صببت له كأس شاي. سألته عن الأحوال. حدثني عن كساد العمل هذه الأيام.فالناس لم تعد بحاجة لمن يلمع لها أحذيتها كما في السابق . إنهم يقومون بذلك بأنفسهمبفضل المنتجات الجديدة... تراوده كثيرا فكرة استبدال هذه الحرفة التي لم تعد تغني من فقر، بأخرى لا تُمتهن فيها كرامته وتوفر له عيشا نسبيا كريما.ما زال مصرا على حقه في التعليم كما يحلم أن يشتري لأخته لعبة في العيد...

أفرغ سعيد في جوفه كأس الشاي على دفعتين، ثم استأذن وانصرف.

قلت في نفسي أَإلى هذا الحد البسيط وصل سقف أحلام طفولتنا ؟ وطن لايستطبع صون كرامة أطفاله وطن هذا أم ماذا؟

مرت عدة أسابيع لم أر فيها سعيدا. سألت عنه احد معارفه فأخبرني بأن المسكين دهسته سيارة"مقاتلة" طائشة .مسحته من هذاالوجود.لم تبكه سوى أم طيبة طاعنة في السن اسمها تورية وأخته الصغيرة .بكياه في صمت بألم وحرقة.

___________________________________________

(1) قولة تنسب للامام علي رضي الله عنه والله أعلم.
(2) "في انتظار غودو" waiting for godot مسرحية للكاتب الإيرلندي samuel beckett

___________________________________________

* نشر لأول مرة بالموقع بتاريخ 2013.07.13 . نعيد نشره ثانية في إطار التذكير بأن الإبداع ليس كباقي المنشورات، لا نمل من إعادة قراءته. أحفير.كم
(2) "في انتظار غودو" waiting for godot مسرحية للكاتب الإيرلندي samuel beckett




410 قراءة

عبدالرزاق هبري: كلمة من حديقة مسجد باريس..
على إثر الزيارة التي يقوم بها الأخ عبدالرزاق هبري لفرنسا، وصلنا فيديو في صيغتين،..
أحفيركم ..


روان الضامن : موقع روميكس فلسطين وأهمية ..
روان الضامن : موقع روميكس فلسطين وأهمية التوثيق روان الضامن قد تكون أجابت كل ..
عبدالحليــم ..


مراسلة - باريس : فضاء لاديفونس يحتضن الص..
بفضاء لاديفونس ضاحية العاصمة الفرنسية باريس حطت قافلة الصناعة التقليدية المغربية..
حسن دخيسي ..


قدماء تلاميذ مدرسة أبي العلاء المعري أحف..
السلام عليكم، آخر فيديو لقدماء تلاميذ مدرسة أبي العلاء المعري - أحفير المزداد..
عبدالحليــم ..


قدماء تلاميذ مدرسة ابي العلاء المعري - أ..
أضع بين أيديكم الفيديو الثالث من مواليد 1956. بالنسبة للذين فاتتهم مشاهدة التسج..
عبدالحليــم ..


فيلم وثائقي عن عبدالكريم الخطابي..
بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، سلام..
عبدالحليــم ..


" البوش"..
من يذكر البوش وشربه البارد العذب وقد وضع على الأرض تحت دالية وارفة الظلالفي "أحو..
المومني ..




التعليقات خاصة بالمسجلين في الموقع، تفضل بالتسجيل إن كنت ترغب في ذلك

تـسـجـيـل

إسم الدخول  
كلمة السـر  



 

© 2017 - ahfir.eu
contact@ahfir.eu

حقوق النشر محفوظة : يجب احترام حقوق الطبع والنشر. إتصـل بالمـوقع قبـل نسخ مقـال, صـورة أو شـريط
المقالات و التعليقات تعبر عن آراء أصحابها و ليست أحفـــير أوروبــا مسؤولة عن مضامينها

شـروط إستخدام الموقع