أمس  20:20
أمس  20:17
أمس  20:08
25.04  19:30
25.04  12:32
 
       شؤون مغربية      شؤون عالمية      أحفير .. تاريخ و جغرافيا      إبداعات      تعزيات      مقالات رأي      أحفير والضواحي  كـل المقـالات
إبداعات

ماسح الأحذية *
- بـقـلم حميد أبو ياسر
- إقـرأ لنفس الكـاتب

04 01 2017 - 09:57


 

"لو كان الفقر رجلا لقتلته" (1)

كان اسمه سعيدا ، رغم أنه لم يعرف غير حياة البؤس والشقاء. تجرع مرارة الفقر منذ نعومة أظافره. مات أبوه ، لم يترك لهم سوى كوخا قصديريا في حي زيدور الشعبي، أو العشوائي كما يحلو لحكوماتنا ومجالسنا المتعاقبة أن تصنفه، لما يستعصي عليها حل مشاكله...

يخرج سعيد صباحا حاملا صندوقا خشبيا، مُلمِّعا ، "شيتة" وخرقة بالية. هذا كل ما يحتاج له في عمله. يجوب الشوارع شارعا شارعا. يمر بجميع المقاهي ، مقهى مقهى عبر كل الازقة ... يبحث عن أحذية خشنة مغبرة يسترد لها نظارتها وبريقها.

غادر مقاعد الدراسة بعد أن لم تتمكن أمه العجوز المسكينة توفير مصاريف الدراسة والأكل .فاضطرته هذه الظروف إلى الاشتغال ليعيل أسرته.وجهه الطفولي الحزبن لفتحه شمس أغسطس من كثرة التجوال. عيناه غأئرتان بهما مسحة حزن دفين .لكنه لم ييأس. لا زال يحتفظ ببصيص أمل . ينتظر فرجا قد يأتي أو لا يأتي. ينتظر غودو... (مثل أبطال مسرحية صامويل بيكيت (2)
أمله الوحيد، هو أن يعود يوما ما إلى مقاعد الدراسة مثل أقرانه .خصوصا أن لديه رغبة كبيرة في التعلم.

كنت جالسا في إحدى المقاهي أقرأ جريدة لما رمقته يلمع حذاءرجل كان جالسا مع ندمائه .
كان سعيد يقوم بعمله بإتفان وبحركات ميكانيكية خفيفة ورشيقة عله ينال رضا الزبون .بينما هذا الأخير يداعب سيجارته الشقراء بلطف ، كان غثا سمبنا (تكرَّش حتى صار بلا جسد .كما يقول أحد الشعراء غاب عني اسمه الآن.) لا يبالي بمن حوله ، ثرثار يحترف مجانية الكلام ، يتحدث بصوت جهوري مثل شباط ،مهرج يعرف كيف يحرك مشاعر الناس ويعزف على وترهم الحساس . شعبوي.
لم يلتفت الرجل إلى سعيد إلا حين نبهه بأن عليه أن يستيدل وضع الرِّجل الأخرى على الصندوق الخشبي بعدما فرغ من تلميع الفردة الأولى من الحذاء.ثبت رجله على الصندوق أشعل سيجارته وعاد إلى حديثه
رغم تفاهته كان يسلي كل من حوله يدرك حيدا كيف يخاطب عواطفهم .ألم أقل لكم إنه يشبه شباط.

لما فرغ الطفل من عمله، انتصب واقفا منتظرا ما سيجود به الزبون عليه.أخرج الاخير من جيبه ،بعض الدراهم،لا تتعدى ثلاثة، تيقنت من ذلك حين رأيته يعُدها،ثم رمى بها فوق الطاولة محدثة رنينا.إلتقطها الطفل دون أن ينبس ببنت شفة.تأبط صندوقه ومضى.
مر بمحاذاتي ،محدثا صوتا بالدق على الصندوق.
هل تلمع؟ مشيرا إلى حذائي . سأجعله جديدا كأنك اشتريته الآن.
اعتذرت ثم طلبت منه الجلوس. أمام إلحاحي لم يجدا بدا من الإذعان للأمر.
صببت له كأس شاي. سألته عن الأحوال. حدثني عن كساد العمل هذه الأيام.فالناس لم تعد بحاجة لمن يلمع لها أحذيتها كما في السابق . إنهم يقومون بذلك بأنفسهمبفضل المنتجات الجديدة... تراوده كثيرا فكرة استبدال هذه الحرفة التي لم تعد تغني من فقر، بأخرى لا تُمتهن فيها كرامته وتوفر له عيشا نسبيا كريما.ما زال مصرا على حقه في التعليم كما يحلم أن يشتري لأخته لعبة في العيد...

أفرغ سعيد في جوفه كأس الشاي على دفعتين، ثم استأذن وانصرف.

قلت في نفسي أَإلى هذا الحد البسيط وصل سقف أحلام طفولتنا ؟ وطن لايستطبع صون كرامة أطفاله وطن هذا أم ماذا؟

مرت عدة أسابيع لم أر فيها سعيدا. سألت عنه احد معارفه فأخبرني بأن المسكين دهسته سيارة"مقاتلة" طائشة .مسحته من هذاالوجود.لم تبكه سوى أم طيبة طاعنة في السن اسمها تورية وأخته الصغيرة .بكياه في صمت بألم وحرقة.

___________________________________________

(1) قولة تنسب للامام علي رضي الله عنه والله أعلم.
(2) "في انتظار غودو" waiting for godot مسرحية للكاتب الإيرلندي samuel beckett

___________________________________________

* نشر لأول مرة بالموقع بتاريخ 2013.07.13 . نعيد نشره ثانية في إطار التذكير بأن الإبداع ليس كباقي المنشورات، لا نمل من إعادة قراءته. أحفير.كم
(2) "في انتظار غودو" waiting for godot مسرحية للكاتب الإيرلندي samuel beckett




296 قراءة

وثيقة وحديث : الشهادة وما أدرك ما الشهاد..
هذه الوثيقة الرسمية التي هي موضوع اليوم هي وثيقة تربوية من عداد شواهد التعليم ال..
أحفيركم ..


تدشين مركز تصفية الدم - أغبال : المخزن و..
للتذكير، هكذا بدأ البيان الصحفي الذي اعتادت مصلحة "الكوم" التي تلبي نزوات السيد ..
عين على النت ..


أثناء بناء مركز تصفية الدم - أغبال - فيد..
هذا الفيديو، رغم وضعه في خانة الإبداعات من صنف المحاكاة الساخرة، إلا أننا نجزم أ..
عين على النت..


وثائقي.. "المغرب مصور من السماء&quo..
من أجل إخراج هذا الوثائقي حول المغرب، مصورا من الاعلى (السماء)، استعان المصور ال..
أحفيركم ..


وثائقي: سوريا، الزيغ الأكبر..
وثائقي أنجزته القناة الفرنسية الثانية ووضعته على الشاشة بتاريخ 18 فبراير 2016. ب..
عين على النت ..


فن البلاغة والخطابة والبيان، نموذج وتحلي..
في خضم الحملة الانتخابية لرئاسيات فرنسا، تقوم قناة سي نيوز التابعة لكنال بلوس، ب..
عين على النت ..


رواية "خضرا والمجذوب" في ضياف..
لقاء ثقافي كقراءة لرواية"خضرا والمجذوب" عبد المالك المومني: تغطية صحفية له ..
المومني ..




التعليقات خاصة بالمسجلين في الموقع، تفضل بالتسجيل إن كنت ترغب في ذلك

تـسـجـيـل

إسم الدخول  
كلمة السـر  



 

© 2017 - ahfir.eu
contact@ahfir.eu

حقوق النشر محفوظة : يجب احترام حقوق الطبع والنشر. إتصـل بالمـوقع قبـل نسخ مقـال, صـورة أو شـريط
المقالات و التعليقات تعبر عن آراء أصحابها و ليست أحفـــير أوروبــا مسؤولة عن مضامينها

شـروط إستخدام الموقع